علي بن أحمد المهائمي
366
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
أي : في غلاف ) كأنها عين الغلاف ، وكيف لا يكون غلفا بمعنى في غلاف ، وهو أي الغلاف ( هو الكن ) المذكور في قولهم : قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ [ فصلت : 5 ] وكيف يكون الغلاف حجابا ، وهو بمعنى الكن ( الذي ستره ) أي : القلب وحجبه ( عن إدراك الأمر على ما هو عليه ) ، وإن أدرك بعض خواصه الدقيقة ، فمثل هذا المحجوب وأن صار عارفا ببعض الأمور يسميه نزاعا بالنظر إلى ما يعرض له من الأعراض ، فيتصرف بالهمة لرفع ذلك النزاع ، ولا يتأتى ذلك في العارف الكامل ، ( وهذا وأمثاله يمنع العارف ) الكامل ( من التصرف ) بالهمة المؤثرة ( في العالم ) ، وإن وجدت فيه هذه الهمة بحيث يمكنه التصرف بها في جميع العالم . [ قال الشّيخ أبو عبد اللّه بن قائد للشّيخ أبي السّعود بن الشّبل : لم لا تتصرّف ؟ فقال أبو السّعود : تركت الحقّ يتصرّف لي كما يشاء : يريد قوله تعالى آمرا : فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا [ المزمل : 9 ] فالوكيل هو المتصرّف ، ولا سيّما وقد سمع اللّه يقول : وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ [ الحديد : 7 ] فعلم أبو السّعود والعارفون أنّ الأمر الّذي بيده ليس له وأنّه مستخلف فيه . ثمّ قال له الحقّ هذا الأمر الّذي استخلفتك فيه وملّكتك إيّاه اجعلني واتّخذني فيه وكيلا ، فامتثل أبو السّعود أمر اللّه فاتّخذه وكيلا . فكيف تبقى لمن يشهد مثل هذا الأمر همّة يتصرّف بها ، والهمّة لا تفعل إلّا بالجمعيّة الّتي لا متّسع لصاحبها إلى غير ما اجتمع عليه ؟ وهذه المعرفة تفرّقه عن هذه الجمعيّة . فيظهر العارف التّامّ المعرفة بغاية العجز والضّعف ] . ثم أورد مثالا لقوله وأمثاله فقال : ( قال الشيخ أبو عبد اللّه بن قائد « 1 » للشيخ أبي السعود بن الشبل « 2 » ) : ثم ( لم تتصرف ) أي : بالهمة المؤثرة أو بغيرها مع أنك أعطيت التصرف
--> ( 1 ) عرف بابن قائد من قرية تسمى آونة من أعمال بغداد ، كان ذا معان تضاعف مددها ورتبة علا في أفق السلوك فرقدها ، وتربية نفذ سهمها في الأمصار ومواعظ لها في القلوب إجلال وإكبار ، وهو من أصحاب الإمام عبد القادر الجيلاني رضي اللّه عنه . قال الشيخ ابن عربي رضي اللّه عنه : وكان ابن القائد هذا يقول فيه عبد القادر رضي اللّه عنه : معربد الحضرة ، وكان يشهد له العارف عبد القادر - الحاكم في هذه الطريقة المرجوع إليه في الرجال - : أنه من المفردين ، وهم رجال خارجون عن دائرة القطب والخضر عليه السّلام منهم ونظيرهم من الملائكة الأرواح المهيمة في جلال اللّه وهم الكروبيون معتكفون في حضرة الحق سبحانه لا يعرفون سواه ، ليس لهم بذواتهم علم عند نفوسهم ، لهم مقام بين الصديقية والنبوة الشرعية . قال : هو مقام جليل جهله أكثر الناس من أهل طريقنا كأبي حامد رضي اللّه عنه وأمثاله فإن ذوقه عزيز . [ الكواكب الدرية 442 ] . ( 2 ) العارف الأفخم والصوفي الأعظم ، إمام كملت باللّه أدواته ، وصفت في مشاهد الحق ذاته ، وعرفت -